منتدى تراتيل شاعر

منتدى تراتيل شاعر (http://www.omssyat.ps/index.php)
-   نفحات آيمانية (http://www.omssyat.ps/forumdisplay.php?f=14)
-   -   وقفات مع اسم الله القريب (خطبة) (http://www.omssyat.ps/showthread.php?t=720)

السمو 02-13-2026 08:05 AM

وقفات مع اسم الله القريب (خطبة)
 
1- معاني اسم الله تعالى القريب.

2- واجبات عملية من اسم الله القريب.



الهدف من الخطبة:

التذكير بهذه الآثار الإيمانية العظيمة المترتبة على مطالعة اسم الله تعالى القريب، والواجبات العملية من اسم الله القريب.



مقدمة ومدخل للموضوع:

أيها المسلمون عباد الله، نحن على موعد بإذن الله تعالى مع اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، نتعرف على معانيه، وعلى الواجبات العملية لهذا الاسم؛ إنه اسم الله تعالى: "القريب".



فقد ورد اسم الله القريب ثلاث مرات في كتاب الله تعالى؛ في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ [هود: 61]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ [سبأ: 50].



معاني اسم الله القريب:

القريب في اللغة: من القرب، وهو نقيض البعد، فالقريب هو الذي ليس ببعيد، فالله تعالى قريب ليس ببعيد، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فهو جل وعلا قريب من الإنسان بعلمه وقدرته، فكونه سبحانه وتعالى فوق العرش، لا ينافي أنه قريب من عباده، وأنه محيط بهم، عليم بأحوالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16]، وقال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الواقعة: 85].



وأما شرعًا فله معنيان:

المعنى الأول: أنه يجمع بين المؤمنين ويقرب بينهم؛ وتأمل في آية واحدة من كتاب الله عز وجل لتستحضر هذا المعنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63]؛ فما أقبل الرجل على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة، وما فُرِّق بين اثنين إلا بذنب أصابه أحدهما، وما تحابَّ اثنان في الله إلا كان أشدهما حبًّا لصاحبه أقربهما إلى الله عز وجل.



المعنى الثاني: القريب من كل أحد، وهو متضمن لصفة القرب، وأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى هذه الصفة إثباتًا بلا تكييف ولا تمثيل؛ فهو سبحانه قريب من عباده حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته، قربًا لا يقتضي ملابسة ولا حلولًا؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هو العليُّ في دنوِّه، القريب في علوه".



قرب عام من كل أحد بعلمه وخبرته، ومراقبته ومشاهدته، وإحاطته وقدرته؛ كما جاء في الحديث: ((أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وما أجاب، فأجاب الله تعالى من فوق سبع سماوات، ونزل الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بقول رب العالمين: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]))، ونلاحظ في الآية: قال: ﴿ فَإِنِّي ﴾ ولم يقل: قل يا محمد، كما في غيرها من الآيات.



ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على استحضار قرب الله تعالى ومعيته؛ ليعيشوا هذا المعنى واقعًا عمليًّا في حياتهم؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)).



وعرَف هذا القرب لله عز وجل، ورأى أثر هذا القرب صفوةُ الخلق من الأنبياء والمرسلين:

1- فقد رأى واستشعر أثر هذا القرب: يونس عليه السلام وهو في قاع البحر؛ فنادى في أعماق البحار، في بطن الحوت، في ظلمات ثلاث: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]؛ فكان الله قريبًا منه، مجيبًا لدعواته وتسبيحاته: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88].



2- ورأى أثر هذا القرب: خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حين تآمر عليه قومه: ﴿ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 68]، فنادى عندها الخليل: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله تعالى: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69].



3- والقرب من الله تعالى: هو الركن الشديد الذي آوى إليه موسى عليه السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾ [مريم: 52]، وهذا القرب كان عونًا له في مواجهة فرعون وجنوده، وفي كل خطوة من خطواته تكفيه معية الله تعالى وقربه منه.



4- ورأى هذا القرب أيضًا: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين وقف القوم على باب الغار، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما))؛ وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].



5- ورأى هذا القرب أيضًا: عندما قال له الناس يوم أحُدٍ: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ [آل عمران: 173]، فقال هو وصحابته: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]، فانقلبوا بعدها: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 174].



والعبد إذا استشعر قربَ الله تعالى: تحصل له السَّكينة والثبات؛ ولذا كتب بعض السلف إلى أخ له: "أما بعد؛ فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟ والسلام".



وقد افترق الناس في هذا المقام إلى ثلاث فرق:

القسم الأول: الجهمية النُّفاة الذين يقولون: ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق، ولا تحت؛ فهم لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندهم متأول أو مفوض.



القسم الثاني: غلاة الصوفية يقولون: إنه بذاته في كل مكان، يقولون: إنه عين وجود المخلوقات.



القسم الثالث: فهم سلف هذه الأمة، أهل السنة والجماعة؛ فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف؛ فقد أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه؛ وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب؛ ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل))؛ [رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما]؛ فهو سبحانه الصاحب المعين، الميسِّر للمسافر في سفره، وهو مع أهله في وطنه حافظ لهم.



نسأل الله العظيم أن يحفظنا بحفظه، ولا يحرمنا من القرب إليه.



الخطبة الثانية

واجبات عملية من اسم الله القريب:

أيها المسلمون عباد الله، فإن هناك واجباتٍ عملية تعبدية باسم الله القريب، ينال بها العبد القرب من الله تعالى؛ فمن هذه الواجبات:

1- واجب قلبي: الإيمان والعمل الصالح:

فإن استجلاب قرب الله تعالى يكون بالإيمان والأعمال الصالحة؛ فمن كان يريد القرب من الله تعالى، فعليه بالعمل الصالح؛ فإن كثرة الأولاد، والأموال لا تقرب إلى الله، بل ربما كانت أعظم الملهيات عن ذكر الله وطاعته والجهاد في سبيله؛ وفي هذا يقول تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37].



وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله عز وجل: من تقرب إليَّ شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولةً)).



وفي الحديث: ((وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه))؛ فالطائع قريب من الله، ويسدده الله في سمعه وبصره، ويده ورجله، ويؤيده.



2- واجب دعوِي: التقرب إلى الله تعالى بتقريب الخلق منه سبحانه وتعالى؛ وذلك بدعوتهم ودلالتهم على ربهم بكل أنواع وطرق الدعوة إليه.



فإن من أشرف الأعمال الدعوة إلى الله تعالى؛ قال ابن الجوزي رحمه الله: "ألستَ تبغي القرب منه؟! فاشتغل بدلالة عباده عليه".



3- واجب عملي: وهو أن تُكثر من السجود لله تعالى؛ فإن كثرة السجود أقرب طريق إلى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 19]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء)).



4- واجب وقتي: وهو اغتنام ثلث الليل الآخر؛ فمن يرِد أن يكون قريبًا من الله تعالى، فعليه بثلث الليل الآخر؛ ففي سنن الترمذي، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكُن))؛ لأن العبد يقترب فيه من ربه، ويخلو به في الأسحار؛ فاجتهد أن تكون لك دقائق في هذا الوقت المبارك، تبتغي بها القرب من الله تعالى.



5- واجب تَرْكِي: وهو ترك ما يباعد عن الله تعالى من الذنوب والمعاصي؛ قال الحارث المحاسبي رحمه الله: "من كان يحب القرب من الله، فليترك ما يباعد من الله تعالى".



فإن العبد كلما ازداد عصيانًا لربه، ازداد بعده عنه؛ كما قال ابن القيم رحمه الله في كتابه [الجواب الكافي لـمن سأل عن الدواء الشافي]: "فمن عقوبة المعاصي: أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتُدني منه عدوه الذي شقاوته وهلاكه وفساده في قربه وموالاته".



نسأل الله العظيم أن يتوب علينا أجمعين، وأن يرزقنا القرب منه.


الساعة الآن 09:10 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010